صديق الحسيني القنوجي البخاري
14
فتح البيان في مقاصد القرآن
معهم وتكثير سوادهم ، أو قووا قلوبهم ، وهذا أمر منه سبحانه للملائكة الذين أوحى إليهم بأنه معهم ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها . واختلفوا في كيفية هذه التقوية والتثبيت فقيل كما أن الشيطان له قوة في إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر ، فكذلك للملك قوة إلقاء الإلهام في قلب ابن آدم بالخير ، ويسمى ما يلقي الشيطان وسوسة ، وما يلقي الملك لمة وإلهاما فهذا هو التثبيت . سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ أي الخوف فلا يكون لهم ثبات ، وقد تقدم بيان معنى إلقاء الرعب في آل عمران ، وكان ذلك نعمة من اللّه على المؤمنين حيث ألقى الرعب في قلوب الكفار ، قيل هذه الجملة تفسير لقوله أني معكم وكانت الملائكة لا تعرف قتال بني آدم فعلمهم اللّه ذلك بقوله : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ المراد بها أنفسها ، قاله عطية ، وفوق زائدة قاله الأخفش وغيره . وقال محمد بن يزيد : وهذا عند الجمهور خطأ لأن فوق يفيد معنى فلا يجوز زيادتها ولكن المعنى أنه أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها ، وقيل المراد الرؤوس قال عكرمة : وهذا ليس بجيد لأن فوق لا يتصرف ، وزعم بعضهم أنه يتصرف ، وأنك تقول فوق رأسك فرفع فوق وهو ظاهر قول الزمخشري ، وقال أبو عبيدة إنها بمعنى ( على ) تقديره فاضربوهم على الأعناق وهو قريب من الأول . وقال ابن قتيبة : هي بمعنى ( دون ) قال ابن عطية : وهذا خطأ بين ، وغلط فاحش وإنما دخل عليه اللبس من قوله تعالى : بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [ البقرة : 26 ] أي فما دونها ، وليست فوق هنا بمعنى دون ، وإنما المراد فما فوقها في القلة والصغر ، وعن الضحاك قال : اضربوا الرقاب وقيل المراد بفوق الأعناق أعاليها لأنها المفاصل التي يكون الضرب فيها أسرع إلى القطع ، قاله في الكشاف ، قيل هذا أمر للملائكة فيكون متصلا بما قبله ، وقيل للمؤمنين فيكون منقطعا عما قبله ، وعلى الأول قيل هو تفسير لقوله فثبتوا الذين آمنوا . وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي كل مفصل ، قال الزجاج : واحد البنان بنانة وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء ، والبنان مشتق من قولهم ابن الرجل بالمكان إذا أقام به لأنه يعمل بها ما يكون للإقامة والحياة ، وقيل المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين وهو عبارة عن الثبات في الحرب ، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء . قال ابن فارس : البنان الأصابع ، وقال عطية : كل مفصل بنانة ، وقال ابن عباس : الأطراف ، وقال أبو الهيثم : البنان المفاصل قيل أمرهم اللّه بضرب أعلى الجسد ، وهو الرأس وفيه هلاك الإنسان ، وبضرب أضعف الأعضاء وهو البنان ، وفيه تعطيل حركة الانسان فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد .